الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
362
المنقذ من التقليد
قلنا : معنى قولنا : « رزقه اللّه ولدا وعقلا وعلما » : أنّه مكّنه من الانتفاع بهذه الأشياء . وإذا كان كذلك فقد يقال : ملّكه اللّه الانتفاع بالولد والعقل والعلم . ولا مانع يمنع منهم ذلك . وكما أنّ الرزق ليس هو التمليك ، فكذلك ليس هو ما علم انّ الحيوان ينتفع به ، لأنّه لو كان كذلك لوجب إذا سألنا اللّه تعالى أن يرزقنا مالا أن نكون سائلين له أن يعلم أنّا ننتفع بالمال . وليس الأمر كذلك ، لأنّا نقصد بذلك أن يجعلنا أخصّ بالمال . وكذلك إذا سألنا أن يرزق البهيمة علما ما ، فانّما نقصد به أن يجعلها أخصّ بذلك بأن يمكّنها من الانتفاع به ويحظر على غيرها منعها من الانتفاع به . وكذلك ليس الرزق هو ما ينتفع به الحيوان أو يصير غذاءه لأنّه تعالى قد ندبنا إلى الإنفاق من الرزق في قوله : « وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ » « 1 » . ومعلوم أنّ ما انتفعنا به وصار غذاءنا لا يمكن الانفاق منه ، فثبت أنّ الرزق . هو الذي ذكرناه ، وإذا كان كذلك وجب أن يقال في الطعام الذي قدّمه المضيّف إلى بين يدي الضيف إنّه ليس رزقا للضيف ، لانّ للمضيّف أن يمنعه من الانتفاع به ، إلّا أن يستهلكه الضيف بالأكل . وكذلك ما يضعه الواحد منّا بين يدي البهيمة من العلف لا يكون رزقا للبهيمة ، لأنّ للواضع أن يمنعها منه ، إلّا أن يستهلكه البهيمة بالأكل . وكذا ما ينتفع به الغاصب من مال الغير فليس برزق له ، لأنّ للمالك أن يمنعه من الانتفاع به ولا يوصف بانّه رزقه وإن استهلكه بالأكل ، لأنّ للّه تعالى أن يمنعه من الانتفاع به بعد الأكل ، ولأنّه يلزمه الضمان . إذا تقرّر هذا صحّ انّه لا يجوز وصف المغصوب بأنّه رزق للغاصب ، لأنّه
--> ( 1 ) المنافقون : 10 .